د. يمن الحماقي: إهدار للأموال علي أشياء غير ضرورية
د. دعاء توفيق: ظاهرة استهلاكية هدفها التلاعب بمشاعر الجمهور
د. فودة السيد فودة: غير محرمة لكن الشراء الواعي عبادة
عروض كبيرة، وازدحام في المتاجر، وتهافت على الشراء، كل ذلك وأكثر يشهده يوم "الجمعة البيضاء" ذلك الحدث المهم في شهر نوفمبر من كل عام، ويعد علامة مسجلة في تاريخ الخصومات، حيث تقدم فيه الأسواق العالمية والمحلية حملة تخفيضات واسعة على العديد من المنتجات، ويتوافد جمهور المستهلكين علي المتاجر للحصول على أفضل العروض والخصومات المغرية.
وتعود جذور الفكرة إلي ما يسمي "الجمعة السوداء"، حيث تبدأ التخفيضات الكبيرة بعد "عيد الشكر" بالولايات المتحدة الامريكية، كوسيلة لتنشيط حركة البيع قبل موسم الأعياد، ومع الوقت، انتقلت الفكرة إلى مختلف دول العالم، وتم تعديل الاسم في الوطن العربي إلى "الجمعة البيضاء" احتراماً للثقافة الدينية. وهنا يثار التساؤل حول تأثير هذا الهوس الاستهلاكي على الأفراد والمجتمعات المسلمة، وهل تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية؟
تقول د. يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، ورئيسة مجلس البحوث الاقتصادية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، إن قضية "الجمعة البيضاء" متداخلة وتتعلق بوعي المستهلك المصري ونمط الشراء لديه، وتؤكد أن المستهلك المصري في كثير من الأحيان يفتقر إلى "الرشد الاقتصادي"، أي أنه لا يشتري احتياجاته في التوقيت المناسب ولا يسعى للحصول على أقصى منفعة وإشباع ممكنين مقابل الثمن الذي يدفعه.ز
مبينة أن من أسبابها الشراء المندفع عند انخفاض السعر فقد يشتري المستهلك سلعة ما لمجرد أنها رخيصة، وهذا السلوك أدى إلى فقدان الكثير من الأموال، خاصة بالنسبة للمصريين العاملين في الخارج، حيث يتحول التسوق إلى نوع من المتعة وقضاء الوقت، مما يهدر أموالًا طائلة على أشياء غير ضرورية، وهذا يؤدي إلى فاقد كبير في الأموال بدلًا من ترشيدها نحو أوجه إنفاق أكثر كفاءة، ويحدث هذا بشكل شبه متساوٍ بين الجنسين.
وتضيف د. "يمن"، أن حب المحاكاة والتفاخر بالممتلكات، من الأمور التى يحبها فئة من الشعب المصري، فالبعض يتفاخر باقتناء ماركات عالمية، ما يدفعهم لدفع مبالغ ضخمة لاقتناء السلعة لمجرد التقليد وحب التفاخر، وليس لكون السلعة عملية ومناسبة، وهذه كلها متغيرات من المفترض أن تدخل في قرار الشراء للمستهلك الواعي الرشيد بهدف توفير المال وتحقيق ظاهرة الادخار، وهي ظاهرة حيوية لأي شعب وأي أسرة.
تأثير اقتصادي
وتشير د. يمن" أن "الأوكازيون" وسيلة اقتصادية مهمة بالنسبة للمنتج لتصريف الفائض من البضائع قبل تغير الموضات والحاجة لإنتاج جديد، ومع تتبع الأسواق المصرية، لا سيما في قطاعات الملابس والأجهزة الكهربائية، يُلاحظ أن القطعة الواحدة قد يتضاعف سعرها ثلاث أو أربع مرات خلال بضع سنوات، ثم تُعرض في التخفيضات بسعر أعلى من سعرها الأصلي عند طرحها أول مرة.
وهذا يشير إلى ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج، مما يدفع المنتج إلى محاولة التكيف، فهو يخزن السلعة ثم يطرحها بسعر مبالغ فيه نوعًا ما، وعند عرضها في فترة التخفيضات، يصل إلى سعر أعلى نوعًا ما من سعرها الأصلي هكذا يستمر السوق في العمل. وتحذر أستاذة الاقتصاد من تأثير الجمعة البيضاء على العملة الصعبة بسبب اتجاه الناس إلي شراء البرندات العالمية، داعية إلي ضرورة وجود منتجات مصرية وعلامات تجارية تضاهي الماركات العالمية.
استغلال رأسمالي
وتري د. دعاء توفيق، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الجمعة البيضاء أو البلاك فرايدي، تحوّلت من ظاهرة استهلاكية غربية إلى حدث تجاري عالمي يترقبه الملايين في الوطن العربي، حيث تكتظ المتاجر والمواقع الالكترونية بالمستهلكين الباحثين عن "الصفقة المثالية"، غير أن خلف هذا الزخم التسويقي تختبئ ديناميات نفسية واقتصادية معقدة تُظهر كيف نجحت الشركات في تحويل قيم الاستهلاك إلى هوس جماعي منظم، وخلق بيئة شراء تشبه "المسرح العاطفي"، حيث يتحول المستهلك إلى فاعل انفعالي أكثر منه عقلانيًا.
مبينة أن فكرة العروض وصلت إلينا، وارتدت عباءة بيضاء لتكسب قبولًا اجتماعيًا ودينيًا، حيث دخلت فكرة البلاك فرايدي إلى العالم العربي قبل نحو عقد، لكنها خضعت لعملية "تعريب" تحت اسم الجمعة البيضاء لتتوافق ثقافيًا ودينيًا مع الحس العام الذي يربط يوم الجمعة بالبركة والقدسية. بينما في جوهرها، تمثل هذه المناسبة تجلّيًا للرأسمالية الاستهلاكية التي تُعيد صياغة سلوك المستهلك العربي، وتغذي لديه قناعة أن الاستهلاك هو المتعة والسعادة.
وتشير د. دعاء إلى أن التحليلات الاجتماعية تؤكد على أن انتشار الظاهرة يعكس تحولًا في القيم الاقتصادية والاجتماعية؛ فبعد أن كان الادخار يُعد سلوكًا رشيدًا، أصبح الإنفاق في مواسم التخفيضات نوعًا من إثبات الذات ومواكبة الحداثة وتحقيق المكانة الاجتماعية كرأسمال رمزي، موضحة أن فكرة العلامات التجارية العالمية.
والتي تستهدف تحريك الآليات النفسية التي تحفز القرار الشرائي، وهي توظف ما يُعرف في علم التسويق بـ علم الأعصاب الاستهلاكي الذي يستهدف مناطق العاطفة والمكافأة في الدماغ، ويُفسَّر جزئيًا بنظرية الخوف من الفقد، وتستخدم هذه الشركات أساليب متعددة، من أبرزها، الإلحاح الزمني: "العرض ينتهي خلال ساعات"، مما يخلق شعورًا بالخوف من الفقد، والخداع البصري في الأسعار: مثل 999 بدلًا من 1000، لإيهام المستهلك بأن السعر أقل، والربط العاطفي بالهوية مثل "أنت تستحق الأفضل"، "دلل نفسك"، "ملوك الانبساط"؛ وهي شعارات تلامس الاحتياجات النفسية العميقة للانتماء والتقدير الذاتي.
وتبين د. دعاء أنه خلال فترات التخفيضات، يتجلّى ما يُعرف بـ اضطراب الشراء القهري ، حيث تتحول الرغبة في التملك إلى إدمان قصير المدى للمتعة، حيث يشعر البعض بنشوة لحظية تعقبها ندم أو إرهاق مالي، في دورة نفسية تشبه الإدمان السلوكي وللسيطرة على هذا الهوس لابد من التخطيط المسبق للمشتريات وتحديد ميزانية صارمة، وتأجيل القرار الشرائي ليوم واحد لتقليل الاندفاع العاطفي، بالاضافة إلي التمييز بين الحاجة والرغبة، وهي مهارة تتطلب وعيًا ذاتيًا مستمرًا.
مباحة شرعا
من جانبه يقول د. فوده السيد فوده، مبعوث وزارة الأوقاف بدولة موزمبيق، إن اشتعال حماس الناس لشراء السلع، واقتناص العروض، تُظهر مدى وعي الناس وسلوكهم الشرائي، بل وتمتحن نياتهم ومقاصدهم، لأن الأمور بمقاصدها، كما علّمنا النبي صلي الله عليه وسلم، مبينا أن الأصل في التخفيضات والعروض التجارية أنها مباحة شرعًا، وتكون محمودة إن قصد بها التاجر تيسير البيع على الناس وترويج الخير ، لكن الإشكال يظهر حين تختلط النية الصالحة بالمقاصد الدنيوية الخالصة، أو حين يُستغل الموسم في الخداع والمغالاة.
لقول النبي صلي الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكَتما مُحقت بركة بيعهما)، مؤكدا أن العروض الصادقة باب من أبواب البركة، أما العروض الزائفة أو المتلاعب بها فهي باب للغش وأكل أموال الناس بالباطل، وهو ما نهت عنه الشريعة صراحة.
ويوضح د. فوده أن الشراء قد تحول عند البعض إلى هوس نفسي واجتماعي، لا يخضع لحاجة حقيقية بقدر ما يخضع لإغراء الخصومات والشعارات البراقة، مشيرا إلي أن البعض يشتري السلعة لمجرد أن عليها خصمًا، حتى وإن لم يكن بحاجة إليها، فيقع في الإسراف والتبذير المنهي عنه شرعًا، لقوله تعالى: "ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين".
السلع المخفضة
ويضيف أن الشراء الواعي عبادة من نوع خاص، يقوم على الاعتدال وحسن التدبير، فالمسلم لا يُنفق ماله في غير نفع، ولا يجعل السوق ميدانًا للمباهاة، بل سبيلًا لقضاء الحاجات دون إسراف أو تقتير، قال تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"..
مبينا أن من صور الخلل التي باتت تتكرر في هذه المواسم أن بعض التجار يشترون كميات ضخمة من السلع المخفضة بسعر الجملة أو الخصومات الخاصة بالمستهلكين، ليحتكروها ثم يبيعوها بأسعار مرتفعة لاحقًا، وهذا السلوك مخالف لروح الإسلام، لأن فيه احتكارًا واستغلالًا لحاجة الناس، والنبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا يحتكر إلا خاطئ). وينوه أن الإسلام ينظر إلى التجارة على أنها باب للعبادة، لا ساحة للاستغلال، فالتاجر الصدوق هو من يقصد بعمله الربح الحلال والبركة لا الجشع والاحتكار لقول النبي صلي الله عليه وسلم " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.



